كنت في حالة استرخاء امام التلفاز استعدادا للنوم بعد يوم اجازة شاق ، دخلت زوجتي عليا ترتعش وقد أرتسم على وجهها ملخص كتاب الرعب ، وهي
بانه "
مافيش حاجة ، دي أوهام "، فاكدت لي انها شاهدت شيئا يتحرك ، قلت ما فيش فايدة من الانكار "
شوفي يا حبيبتي ، دول مابيأذوش..دول " وقبل أن أكمل ، ....
صرخت فيا .... أنا شفت فااااااار .
بدأ ميكي ماوس احتفالاته بعيد ميلاده الثمانين ، ولم يدر بخلدي انه سيحتفل بهذه المناسبة في بيتي ، ونظرا لاعمال الصيانة في غرفة الكهرباء المركزية بسطح البناية ، ونظرا لانني اسكن في الطابق الخامس عشر والاخير، ونظرا لان الجو تحسن فأستغنينا عن استخدام المكيفات وفتحنا الشبابيك للهواء الطبيعي وللفئران،
في موقف كهذا لابد من اظهار الشجاعة حتى وإن إنعدمت، وتصنع الجئاشة (من رباطة الجأش) وإن إنفكت، ورفع شعار "
الرب واحد والعمر واحد" واستدعيت قوات الاحتياط متمثلة في الولدين اللي حيلتي...اومال انا مخلفهم ليه ..فاسوخة؟ وتسلح كل واحد منهما بمقشة ذات عصا طويلة ، ودخلنا الغرفة و أغلقنا من خلفنا الباب حتى لا يهرب ، وبدأ البحث عن الفار الشبح ، و زوجتي من خارج الغرفة ومن فوق الكرسي وقوفا تشيعنا بالدعوات والتوفيق وعينيها لا تغادر الباب متخيلة ما يدور خلفه ،
حتى هذه اللحظة مازلت غير مصدق انه فأر ، إنما كنت على يقين بأنني أطارد "جنياً" ، وفي لحظة سكون ، أنطلق الفأر في حركة تقشعر لها الأبدان ورأيته بام عيني يسلك طريقه من تحت السرير متجهاً إلى باب الغرفة حاشرا نفسه من تحت عُقب الباب ، أخ ..هذا ما لم أعمل له حساباً وهو للأمانة فأر ابن عز أو متربي ع الغالي ، لا يعاني من السلوعة أو فقر الدم ، إنما والله أعلم كان مصاباً بداء البدانة ، أنطلقت خلفه خارجا من الغرفة، لأجد زوجتي من مكانها فوق الكرسي تشاور أنه أتخذ هذا الاتجاه ، أتبعت الطريق في الطرقة الطويلة ، أُمني نفسي بأنه من الممكن ان يكون قد غادر الشقة من أي شباك أو أي فتحة أو من تحت أي باب هاربا من المواجهة ، وكفا الله المؤمنين القتال ، وبدأت فرق المسح تجوب الشقة، وتحدث جلبة في كل مكان ، ولكن الحمد لله لم يعد له وجود ، فعدت لأطمئنها أنه قد غادر ولا داعي للقلق وممكن الان ان "تنزلي من على الكرسي بقا" .
أكدت لي أنها تعرف ألاعيب جيري ، وخطط ميكي ، وأنهما مش ممكن ينسحبوا بالسهولة دي ، وأكيد مختفي في أي حتة إلى أن يهدأ الجو فيخرج وينقض عليها لوحدها لانها هي التي وشت به .
فتشت بنفسي في كل مكان ، حتى أنقصم ظهري ثم خلدت إلى الراحة مقنعا نفسي أنه غادر ولا داعي للقلق ، لكن في قرارة نفسي كنت عارف انه مش هايجيني نوم الليلة دي ، وكيف أنام أمن وهناك ذرة شك في وجود هذا الضيف ، وشق هذا الهدوء صريخ أحمد الصغير ، كما فعلها من قبله اينيشتاين ..وجدته وجدته ، جريت نحو الصوت لألمح الفأر يجري ومن خلفه أحمد ومن خلفه عمر وأنا في المؤخرة لاحمي ظهروهم من أي هجوم ارتدادي محتمل ،
ولاني اكتسبت خبرة من الموقعة السابقة ، فلابد أن أغير التكتيك كما يفعل مانويل جوزيه حسب خطة الخصم ولا عيب من الاستفادة من أخطاء الفريق ، بعد أن دخل غرفة خالية إلا من خزانة ملابس و كنبة ، أسرعت بغلق الباب وحتى لا يهرب من تحته مرة أخرى سددت أسفل الباب بقطعة قماش ، وأغلقت الشبابيك ، كما فعلها طارق بن زياد حيث لا عودة "يا أنا يا هوا في البيت"، رافعا شعار فان دام " لا تراجع ولا استسلام ".
وفي الموقعة السابقة استفدت من وجود زوجتي فوق الكرسي بدافع الخوف تنظر إلى الباب المغلق وتتخيل ما خلفه فلمحته يهرب خارجا من تحت الباب ورصدت اتجاهه ،إذن في هذه الجولة لابد من وجود ناضورجي يراقب تحركاته ، ليس من الجيد أن يكون الفريق كله هجوم ، كلفت أحمد بمراقبة تحركاته على أن يقف في مكان مرتفع ولا يتدخل في الهجوم ، وتنحصر مهمته في مراقبة تحركات الفأر التكتيكية ويخبرنا اولا بأول بمكان اختباءه ، مع تسليحه بسلاح خفيف عبارة عن عصا بدون مقشة ، وأوكلت إلى عمر مهمة إستفزازه بالنقر على الدولاب حتى يخرج ، وقبعت أنا منتظره رافعاً المقشة متأهباً لأهوي على أم رأسه .
طال الحصار ، و اقترح عمر ان نستدرجه بقطعه من الجبن ، فقلت له أنه لن يهتم الان بالأكل ...فهو الان خائف يبحث عن الامان
فرد عمر ، لكن يا بابا حسب
هرم ماسلو للحاجات الإنسانية فإن الإشباع من الجوع يأتي قبل الأمن في ترتيب الهرم،
رددت : بس هو دلوقت بيبحث عن الأمان وعن حتة يستخبى فيها ، وأؤكد لك انه والحمد لله لم يقرأ هرم مازلو و لحسن الحظ مايعرفش حاجة عنه .
خرج من خلف الدولاب يدور في حلقة حول الغرفة ونحن من خلفه طاخ طيخ طوخ ، كلها عصيان ينجح في المراوغة والهروب منها .